علاقة التغذية بالمزاج
في ظل تلك الحياة التي نعاني من تقلباتها المشحونة والدائمة وفي ظل التغيرات في النظم الاقتصادية والسياسية والتي بالتأكيد تؤثر سلبا علي تركيب المجتمع المعاصر قد تمر علينا أوقات من الإحباط والاكتئاب بسبب تلك التغيرات الدائمة ولكن من قال أن تلك المتغيرات هي السبب فقط,فقد قال العلم كلمته في تلك التقلبات المزاجية فخلال مراحل حياتنا المختلفة بداية بالطفولة تلك المرحلة التي تعتبر حجر الأساس في تكوين الإنسان نفسيا وجسديا وجد أن الطفل الذي يرضع رضاعة صناعية يكون عصبيا قلقا وقليل النوم وربما عدوانيا.
لقد نقد العلم نظرية ديكارت وهى أن النفس والعقل منفصلان ولا يؤثر إحداهما على الآخر حيث ثبت أن آلية المخ تتراوح بين الأفكار والمشاعر والانفعالات والإحساس بالألم وإنها جميعا تتأثر بما يأكله الإنسان.
إن الأساس في عمل الجهاز العصبي هو انتقال إشارات عصبية على هيئة نبضات كهربائية فيما بين الخلايا العصبية Neuron وهى أصغر الوحدات الوظيفية للجهاز العصبي وحتى تنتقل تلك الإشارات من خلية إلي أخرى فإنها تحتاج إلى ما يسمى بالناقلات العصبية Neurotransmitters .
بعض الناقلات العصبية المرتبطة بالحالة المزاجية:
1. السيروتونين Serotonin
هرمون وناقل عصبي مهدئ وضروري للاستقرار العاطفي وللنوم ويؤثر على النشاط الجنسي ، النقص الطفيف فيه يؤدى إلى ظهور سلوك يمكن أن يؤذى صاحبه مثل البوليميا "الجوع المرضى" والميل إلى إدمان مواد مضرة مثل الكحول والتبغ.
2. الأندروفين Endorphin
يطلقه الضغط الجسدي أو النفسي فهو بمثابة مورفين طبيعي يصنعه الجسم فهو يسكن الألم وبالتالي يجعلنا نشعر بالراحة النفسية والجسدية.
3. النورادرينالين Noradrenalin
يجعل الدماغ منتبها ويقظا وينشط الرغبة الجنسية ويحسن المزاج ويخفف من الشهية.
الكربوهيدرات والمزاج
تعمل السكريات على إفراز السيروتونين ولكن أي نوع من هذه السكريات يحسن بالفعل المزاج؟؟
السكريات البسيطة والكربوهيدرات ذات المؤشر الجليسيمى العاليGlycemic Index "سريع الاحتراق والتحول إلى جلوكوز" مثل العسل والكورنفلكس والبطاطس المقلية والبطيخ تصل إلى الدم سريعا وبالتالي تسبب إفراز الأنسولين بكمية عالية ليسارع إلى إدخال السكر إلى الخلايا وبالتالي حدوث هبوط حاد في معدل السكر في الدم وتحدث هذه الظاهرة أيضا عند تناول مأكولات ومشروبات عالية المحتوى من الكافيين والقهوة والشاي والكولا وكذلك التدخين وتناول الكحوليات كل هذه المواد تؤثر على معدل السكر في الدم ويسوء المزاج إذا انخفض معدل السكر في الدم وينخفض بالتالي معدل السيروتونين مرة أخرى وهذا يفسر إدمان والتهام مثل هذه المأكولات والأطعمة بكثرة عند التعرض لضغط نفسي لان الهدف في اللاوعي هو أن تنتقل من حالة مثيرة للأعصاب إلى حالة الهدوء.
أما السكريات المعقدة وكذلك الكربوهيدرات ذات المؤشر الجليسيمى المنخفض"بطيئة الاحتراق والتحول إلى جلوكوز" مثل الخبز الكامل والحليب والزبادي والحمص والمكرونة والفواكه يقينا من الارتفاع المفاجئ في نسبة السكر في الدم ويصبح معدل السكر ثابت بالدم وكذلك معدل السيروتونين وبالتالي يؤمن الإحساس بالراحة النفسية على المدى الطويل.
الشوكولاته والمزاج
تساءل العلماء لفترة عن السر الذي يسبب الرغبة الملحة لتناول الشوكولاته .. هل هو الدهن أم السكر أم الكافيين أم ماذا؟
أنها مادة الانانداميد Anandamide وهى مادة توجد في الطبيعة حيث تنتجها خلايا المخ .
إذن ماذا عن السكر؟
السكر الموجود بالشوكولاته ذو مؤشر جليسيمى منخفض نسبيا وذلك بسبب الدهون التي تدخل في تركيبها وتبطئ من مرور السكر في الدم.
وماذا عن الكافيين؟
شأنه شأن القهوة والشاي والكولا فبعض الأشخاص يشعرون بتحسن المزاج عند تناولها لوجود السكر والكافيين ولكن سرعان ما ينقلب هذا التأثير بعد زوال تأثير الكافيين. وبالتالي يجب علينا الاعتدال في تناول الشوكولاته للوقاية من الآثار السلبية وأمراض العصر المزمنة.
البروتينات والمزاج
العديد من الناقلات العصبية تتركب من أحماض أمينيه "الوحدة البنائية للبروتين" وعند انخفاض الكمية المستهلكة من واحد أو أكثر من تلك الوحدات البنائية بدرجة كبيرة فان الكمية المنتجة من تلك الناقلات العصبية تقل هي الأخرى مما يؤدى لتغيرات في المزاج وكذلك الشهية والقدرة على التفكير..
ومن الأمثلة على :
1. الحامض الأمينى هستيدين Histidine وهو حامض أميني أساسي لا يستطيع الجسم تكوينه وبالتالي لابد من تناوله من خلال الغذاء، وهو هام في إنتاج مادة هستامين Histamine وهى أحد المواد الكيميائية الموجودة بالمخ والهامة في تنظيم الانتباه واليقظة والطاقة الميتابوليزمية للمخ وانطلاق الهرمونات والشهية.
2. الحامض الأمينى تيروسين Tyrosine وهو يتحول بمساعدة البيرودوكسين "فيتامين B6" والماغنسيوم إلى مركب الدوبامين Dopamine وهو ناقل عصبي مسئول عن حركة العضلات ويجعل المزاج جيد والنقص الحاد فيه يؤدى إلى ظهور مرض باركنسون " الشلل الرعاش" ، والدوبامين في وجود حمض الاسكوربيك " فيتامين C" يتحول إلى النورادرينالين المسئول عن التركيز والانتباه.
3. الحامض الأمينى تربتوفان Tryptophan وهو حامض أميني اساسى وهام لإنتاج السيروتونين حيث يتحول إلى 5-HTP ثم إلى السيروتونين وبالتالي النقص أو الامتناع عن تناول هذا الحامض الأمينى في المأكولات يؤدى لنوبات الجوع الشديد وسوء المزاج نتيجة نقص إنتاج السيروتونين، وهذا يفسر حدوث زيادة في وزن بعض الأشخاص أثناء إتباعهم لنظام غذائي لتخفيف الوزن حيث أن المأكولات الغنية بالتربتوفان غنية أيضا بالدهون وعند استبعادها كليا تؤدى إلى الإحساس بالجوع وبالتالي زيادة الوزن.
وبالتالي يجب علينا تناول البروتينات عالية القيمة الحيوية المحتوية على جميع الأحماض الأمينية الأساسية والتي توجد في الأغذية الحيوانية كاللحوم والبيض والألبان والأسماك والصويا أو خلط الحبوب مع البقوليات للحصول على بروتين عالي القيمة الحيوية مثل الأرز مع العدس كما في الكشري المصري أو الفول مع القمح كما في الطعمية مع خبز القمح الكامل.
الدهون والمزاج
الدهون كلمة تفزع الكثير من الأشخاص لذا يجب توضيح نوعية الدهون الضارة والتي تؤثر سلبا على صحتنا الجسمية والنفسية .
هل التعبير أفضل بأن نقول تناول الدهون النباتية وابتعد عن الدهون الحيوانية؟؟؟
هذا التعبير غير دقيق حيث نجد أن زيت السمك وهو من الدهون الحيوانية منصوح به جدا ومهم للصحة في حين نجد أن زيت جوز الهند والنخيل وهما من الزيوت النباتية المستخدمة على نطاق واسع في صناعة البسكويت فهي من الزيوت المشبعة الضارة بالصحة ولا ينصح بتناولها .
فتفرقة الدهون من حيث درجة تشبعها أكثر دقة ومفهوما لاختيار النوعية الأفضل للصحة حيث تنقسم إلى مشبعة، أحادي عدم التشبع، عديدة عدم التشبع.. كلها مصطلحات تستخدم للتصنيف الكيميائي للأحماض الدهنية " الوحدة البنائية للدهن" فالأول يفتقر إلى اى روابط مزدوجة في تركيب الدهن والثاني يحتوى على رابطة مزدوجة واحدة في تركيب الدهن والثالث يحتوى على أكثر من رابطة مزدوجة في تركيب الدهن، اى جسم دهني في الطبيعة سواء نباتي أو حيواني يحتوى على الثلاث أنواع السابقة من الأحماض الدهنية " الوحدة البنائية للدهن" ولكن بكميات متفاوتة فمثلا زيت الزيتون وهو أحادى عدم التشبع فهو يحتوى على 75% أحماض دهنية أحادية عدم التشبع وفى نفس الوقت يحتوى على 15% دهون مشبعة و 10% عديدة عدم التشبع. أجسامنا تحتاج إلى تلك الثلاث أحماض ولكن أيضا بكميات متفاوتة وهنا يكمن السر حيث عندما تتناول الدهون المشبعة بكميات كبيرة فهي تحل محل الأحماض الدهنية الأخرى وكثرة هذه الدهون تعيق تزويد المخ بالدم كما أنها تضعف الذاكرة وعمل الناقلات العصبية وبالتالي تؤثر على التعلم وكذلك على حالتنا النفسية والمزاجية.
تقسم دهون الوجبة إلى 1/3 دهون مشبع(السمن والزبد)، 1/3 أحادية عدم التشبع اوميجا 9(زيت الزيتون)، 1/3 عديدة عدم التشبع والأخيرة تقسم إلى زيوت الاوميجا3( زيت بذرة الكتان وزيت السمك والمكسرات) وزيوت الاوميجا6( زيت عباد الشمس) والنسبة بينهم 4:1
ماذا عن الدهون المهدرجة؟؟
الدهون المهدرجة مضرة للغاية حيث أنها زيوت تم تغيير تركيبها الكيميائي للحصول على دهن صلب وذو ثبات أطول. فالزيت النباتي قبل عملية الهدرجة يحتوى على أحماض دهنية غير مشبعة ومفيدة للصحة فستتحول بعد هدرجته إلى أحماض دهنية مشبعة وبالتالي فهي تحل محل جميع الأحماض الدهنية المفيدة في الزيت.
وهذه الدهون المهدرجة والتي توجد في السمن الصناعي والمرجرين تؤثر سلبا على صحتنا حيث تزيد من معدل الكولسترول الضارLDL وتخفض من الكولسترول الجيدHDL وتؤدى إلى خلل في خلايا الجسم بما فيها خلايا المخ.
الأسماك والمزاج
كثيرا ما نسمع مقولة أن تناول السمك يزيد الذكاء ويحسن المزاج، هذه المقولة سليمة حيث أن الأسماك خاصة الدهنية مثل التونة والسالمون والبوري والسردين جميعها تحتوى على الحامض الدهنى المعروف بالأوميجا 3 Omega3 وعدم استهلاك كمية كافيه منه يعرضنا لاضطرابات متنوعة مثل الاكتئاب والنشاط المفرط للأطفال وقد يعرضنا أيضا للانفصام، حيث أن نقص هذه الأحماض يؤدى إلى تعطيل آلية انتقال المعلومات بين الخلايا العصبية كما أن للأوميجا 3 دور في تسهيل عمل السيروتونين على مستوى الخلايا.
الفيتامينات والمعادن والمزاج
الفيتامينات والمعادن مثل مجموعة فيتامينات B وفيتامين C وفيتامين E والحديد والسلينيوم و والماغنسيوم تعمل جميعها كعوامل مساعدة في تصنيع الناقلات العصبية وبعضها يساعد على تنشيط الناقلات العصبية كما في حالة الحديد في حين أن بعضها يقوم بحماية الناقلات العصبية وخلايا المخ من التلف مثل التلف الناتج من الأكسدة مثل فيتامين E ، وبالتالي إذا كانت الوجبة الغذائية لا تمد الجسم بالكمية الكافية من هذه العناصر الغذائية فإن إنتاج الناقلات العصبية لن يتم بالكمية الكافية وبالتالي يشعر الفرد بعدم القدرة على التفكير بطريقة سليمة وكذلك خلل في حالته المزاجية. كما أن الزنك، فيتامين B6 ،فيتامين B12 ، اليود، حامض الفوليك عناصر هامة وضرورية لحدوث التطور الطبيعي للجهاز العصبي وتناول كميات غير كافية منها بدايتا من مرحلة الحمل ومرورا بالأعوام الأولى من العمر من المحتمل أن ينتج عنه تلف غير عكسي للجهاز العصبي وحدوث تغيرات في السلوك ووظائف العقل.
وللحصول على روشته لتحسين حالتك النفسية اتبع الاتى
· اتبع نظام غذائي متوازن وذلك بتناول جميع العناصر الغذائية والتي تغطى احتياجات الجسم بالكميات والنوعيات المناسبة .
· تقديم الغذاء بطريقة مناسبة ومقبولة تساعد على تحسين حالتك المزجية.
· الخروج في نزهة وتناول الطعام مع الأقارب والأصدقاء وتجنب المواقف التي تعرضك للضغوط النفسية والتوتر.
· اتبع برنامج رياضي حيث تساعد ممارسة الرياضة على تنظيم إفراز بعض الناقلات العصبية مثل endorphin والتي ستعمل على تحسين المزاج.
· استبدل الأفكار والمعتقدات والاتجاهات السلبية بأخرى ايجابية تشجعك على الاستمرار في حياتك بنجاح.
المراجع
- جان مارك روبين، آن دوفور، (ترجمة عبير منذر 2005): الغذاء لتنمية الذكاء – دار الفراشة.
- سارة الراوي،(2009):السيروتونين مضاد الكآبة- مجلة المتهجولون في الغربة- العدد الأول. http://motahajwiloonmagazine1.blogspot.com/2009/02/blog-post_9137.html
- عبد الرحمن عيسوي، (2005): التغذية والصحة النفسية- منشأة المعارف- الإسكندرية.
- على رضا،(2007): العلاقة بين الغذاء والحالة النفسية – مجلة آسية. http://www.asyeh.com/doctor.php?action=showpost&id=166
- فيليشيا بوش ،(ترجمة سامر الأيوبي 2001):نظام الغذاء الجديد من أضداد المؤكسدات إلى اليقطين- العبيكان





